نهضة الإطناب

قد تتعامل الكثير من الشركات في محاورها المتعددة, دون وعي او ادراك منها, مع الإطناب على انه دون فائدة على الرغم من ان المنطق و البحوث التطبيقية تؤكد فعاليته في نهوض الشركات.

الإطناب في اللغة هو أداء المعنى بأكثر من عبارة سواء أكانت الزيادة كلمة أم جملة بشرط أن تكون لها فائدة (كالرغبة في الحديث مع المحبوب - أو التعليل ، أو الاحتراس ، أو الدعاء - أو التذييل - أو الترادف - أو ذكر الخاص بعد العام - أو التفصيل بعد الإجمال) فإذا خلت الزيادة من الفائدة فلا يسمى إطنابا ، بل تطويلاً أو حشواً لا داعي له ، وهو مذموم .

بالتوازي, الإطناب في العمل هو أداء المهمة بأكثر من موظف سواء كان واحداً او اكثر بشرط ان يكون لهم فائدة, وهذا ما سيقوم الموضوع بمعالجته.

غالبا ترى الناس ينظرون في وجود موظفان او عدة موظفين يؤديان نفس المهمة على انه غير مفيد. و كذلك هو الحال مع وجود منتجان غير متمايزان يؤديان نفس الغرض.  بناء على هذه النظرة التي لا تدرك الفرق ما بين الإطناب (المفيد) و الحشو (الغير مفيد), تجدهم يتعاملون مع ذلك على انه هدر في الإقتصاد و يجب التخلص منه عبر تشكيل عمليات تسريح او تخفيض في الميزانية. يبدو ان طريقة التفكير هذه قد اعقلت (اصبحت معقولة) بسبب التأثر في العصر الصناعي حيث تعتقد الشركات انها مثل الماكينات الصناعية فتتصرف مع موظفيها كقطع يمكن استبدالهم. كل موظف هو قطعة مثل قطع الغيار لتلك الماكينات, وقد يكون هناك حاجة لوجود قطع احتياطية تحوم في المجال تحسباً. لكن في أغلب الأحيان, عندما يقوم شخص ما بالمغادرة, فان البديل الجديد يكون جاهزاً الى ان يحل في مكانه بأقل قدر من الإنقطاع في نظام الشركة ككل. عندما تكون البيئة المحيطة بالشركة مستقرة, سيؤدي ذلك بعناصرها المستمثلين كقطع الماكينات في الإنبثاق نحو الأمام. واذا كان من المتوقع حدوث تفاعلات مع العالم الخارجي, فتستطيع الشركة من استمثال السلوك الداخلي لموظفيها بإجراء صيغ روتينية.

الا ان العمل بطريقة الماكينة الصناعية ينهار عند مشارف الإنترنت اذا ما اخدنا بالإعتبار الشركات التي تعمل من خلاله. فبعكس المحيط المستقر نسبياً الذي يحيط بشركات العصر الصناعي, تجد ان شركات عصر الإنترنت محفوفة بعدم يقين متفاقم:

  • حالة عدم يقين كامنة في كيفية تفاعل الناس مع البرنامج : عندما تقوم بتصميم منظومة الكترونية (برنامج), بغض النظر اذا كان ذلك موقع الكتروني او تطبيق او منهاج الكتروني (منصة), فأنت لا تعرف مسبقاً في أي اتجاه سينجح او سيفشل التصميم. عوضاً عن ذلك, يتطلب الأمر انخراط مجموعة أساسية من الموظفين تكون قريبة من المستخدمين "لإستكشاف" منتج فاعل. ولا تستطيع ان تجزم حقاً بفعاليته الا بعد رؤية استخدام الناس له.
  • حالة عدم يقين كامنة في استمرارية الإنتشار مع التغييرات الداخلية : عندما تقوم بتصميم منظومة الكترونية (برنامج) قادر على استقطاب مستخدمين, فإن الفكر التجاري الذي يعتمد على الربحية ينظر في توسيع دائرة الإستقطاب لتشمل عدد لا بأس به من زبائن يدفعون, و هذا يندرج ضمن تكتيكات النمو والتي يصعب التنبؤ بها مسبقاً. إن العمل على تطوير قنوات تسويقية او "ميكانيكا فيروسية" متوالدة و متزايدة بسرعة, يقتضي ترقيعات واسعة لإستكشاف رسائل قادرة على التغلغل و الإنتشار. ويبدو ان التغيير حتى وإن كان تافهاً فقد يكون فارقاً بين الحيوية و التوان.
  • حالة عدم يقين كامنة في استمرارية الإنتشار مع التغييرات الخارجية : بعد اكتشاف المنتج الذي يتردد صداه متوسعاً, فالحفاظ على تناسبه مع السوق يتطلب تكيفاً مستمراً, حيث تجد ان النظام الشبكي للإنترنت متجهز للتغيير السريع. يمكن للظواهر ان تنبثق و تنتزع بسرعة انتباه جزء كبير من الشبكة. يمكن للمتنافسين أن يظهرو بسرعة ويقتسمو حصة من وعي المستهلكين لمنتجهم او علامتهم التجارية.

تنطوي الشركات التي تتوجه في العمل وفقاً للماكينة الصناعية على ادارة مركزية تقوم بتهيئة وصفات استقرارية في فرض سلوك معين لموظفي الخطوط الأمامية. لكن نظراً لبيئة عدم اليقين الكامنة في الإنترنت المحيط بتلك الشركات, فان هذا التوجه يصبح متناقضاً معيب على نحو متزايد. ان عدم حضور الإدارة المركزية في الخطوط الأمامية يؤدي الى عدم معرفتها بالتفاصيل التي تجعل من موقع الكتروني او تطبيق او توجه تسويقي ناجح بشكل مستديم. فتعويضاً لذلك, يجب تقدير المبدعين في الخطوط الأمامية ليس كقطع قابلة للإستبدال ولكن كمصادر للمعرفة و الأفكار.

ونتيجة لذلك, نستطيع ان نرى ان شركات هذه الأيام تؤكد ذلك باعتبارها التعليم عنصر حاسم في عملياتها. وفي البحث عن كناية في كيفية تمكين هذا التطلع نحو التعليم ينبغي للشركات ان تخاطب عقل الإنسان. هذا يعني ان تقتدي الشركات بفطرية الدماغ الذكية في قدرته على التعلم و التنظيم الذاتي. يتطرق مورجان في كتابه "صور من التنظيم" الى تعريف عديد من الأنماط يستوحيها من وظائف المخ و يناقش امكانية تطبيقها على عمل الشركات. ومن هذه الأنماط, الإطناب.

اي نظام له قدرة على تنظيم نفسه ذاتياً لا بد من ان يمتلك درجة من الإطناب, وهو نوع من الطاقة الفائضة تفسح مجالاً لحدوث إبداع و تطوير. بدون الإطناب يكون النظام محدود و ساكن.

في الدماغ البشري نجد نمطية الإطناب في روابط الشبكات الواسعة والتي من خلالها تتصل آلاف مؤلفة من الخلايا العصبية مع بعضها البعض, فتشكل قدرة هائلة على توليد اماكنيات التطور. كميات هائلة من عمليات تشاطر المعلومات تحتمل انشاء الالاف من الأنماط والتي تساهم في استمرارية تطور و صقل واذكاء هيكلية المنظومة.

 تمثيل واضح للإطناب هو البرمجة الإقترانية, ويعني هذا وجود مهندسان يبرمجان معاً على نفس الشاشة على نفس المهمة. النظرة السطحية قد تبدو ان انفاق موردان على نفس المهمة اسراف اقتصادي. ومن الصعب رؤية اذا ما كان ذلك سيستغرق من انجاز المهمة زمناً أطول او أقصر. لكن ما تم اثباته عن العمل الإقتراني مقارنة مع العمل الإنفرادي, هو أن البرمجة الإقترانية على سبيل المثال تؤدي الى انتاج كود مصون بعيوب أقل و أكثر نقاوة. وعلاوة على ذلك, البرمجة الإقترانية تمنع إنعزال مدى الإضطلاع الحساس في عقل شخص واحد. عندما يكون عضو واحد فقط من الفريق على اضطلاع عميق في نطاق ما من قاعدة الكود, يصبح الفريق معرض للعطب اذا تتطلب العمل المزيد من التغييرات ضمن ذلك النطاق. قد يكون هذا العضو ذو المعرفة الخاصة غائباً او مستهلكاً بين عدة مسؤوليات اخرى. الأقتران هو مقوم اساسي لحفظ المعرفة و تدفقها بين فريق الهندسة. إن تمكين الفريق الهندسي بكامل أعضاءه من العمل في جميع مناطق قاعدة الكود سيؤدي الى تعظيم المرونة, الجودة و الإبداع.

البرمجة الإقترانية تعتبر مثال عن كيفية قيام فرق تطوير المنتجات بإنشاء إطناب في تشاطر المعطيات. في المقابل, الإختبار الإنشطاري (او ما يعرف باختبار أ و ب), هو كيفية تعلم الفريق من خلال إنشاء إطناب في تشاطر المخرجات. وهذا يعني إطناب بإصدار صفحات لها نفس الغاية, وتوزيع حركة المرور الإلكتروني (زوار الإنترنت) على كل منها. وفي حين أن الإصدارات تخدم نفس الغاية فالإطناب هنا ينشأ عبر استبيانات مغايرة على مستوى النص او التصميم. يسمح هذا للفريق من استكشاف عناصر الصفحة التي تؤدي الغاية الأفضل وفقا لإهداف الشركة.

البرمجة الإقترانية و الإختبار الإنشطاري هما صورتان منعكستان عن مرآة التعقل في نمط التشاطر المتوازي للمعلومات, السائد في الدماغ.

هناك الكثير من النشاط في الدماغ والذي يبدو عشوائياً تماماً ويمكن وصفه على انه كمية هائلة من عمليات توزيع متوازية مع عمليات تشاطر للمعلومات. وقد تنخرط أجزاء اخرى من الدماغ في نفس النشاط فيتم توليد إطناب على مستوى جديد. وهذا الإطناب بدوره يفسح مبادرات من مواقع عديدة أخرى في الدماغ في نفس الوقت على عدة مستويات, وهكذا لا يتقتصر النشاط على موقع واحد في الدماغ. هذه العمليات ككل تؤدي الى توليد ديمومة (مشاريع) تنافسية من الإستخبارات ينبثق منها نمط آخد في التطور. صورة الإطناب هذه الواردة في الدماغ نتيجة العمليات المتوازية هي أمر حيوي في توليد مجموعة من نتائج محتملة, في التصدي للخطأ,  في المساهمة في مرونة الدماغ و ابداعه و تأقلمه.

الفرق التي تقوم باستخدام الإطناب تُظهر احترام لعدم اليقين الكامن في البيئة المحيطة بهم. فهم يدركون ان افتراضاتهم في كيفية الوصول الى الأهداف ما هي الا فرضيات لا بد من دراستها و اختبارها. الإطناب هو تقنية اساسية في استكشاف المفاجآت, متضادات بديهة المعرفة حول ما يصلح وما لا يصلح. وهو مفيدة في انهاض أعمال ناجحة.